16 الفصْل الخامِس عشر المعْجزَة الوَحيْدَة الموْعُودَة
نبوءة ( ليست قبل ، وإنما ) بعد ( وقوع ) الحدث :
المتحمسون للإنجيل والحرفيون لا يملون اقتباس نصوص يزعمون صدورها عـن يسوع ، مؤداها أنه كان ذاهباً إلى أورشليم ليموت ، وأنه سيعود إلى الحياة في اليوم الثالث . وسوف يؤكد أيُّ دارس للمسيحية أن الأناجيل إنما دُوِّنت كتابياً بعد قرون وحقب من وفاة المسيح عليه السلام . وفي حياته لم تكتب كلمة ولم يأمر أي شخص أن يكتب عنه كلمة ! ويستثنى تايلور في شرحه لإنجيل القديس مرقس ص 437 ، يستثنى من ذلك النبوءات المزعومة عن صلب المسيح كنبوءة بعد وقوع الحدث . ذلك أن كتاب الإنجيل اخترعوا كلاماً وأقوالاً وأجروها على لسان يسوع كما لو كان قد تنبأ بوقوع الأحداث .
والمبشرون المسيحيون ، البروتستانت ، الصليبيون حريصون على الاستماع لأي دارس للمسيحية بصرف النظر عن إخلاصه أو منزلته – سواء كان تايلور أو شفايزر أو براندون أو أندرسون . ولو قالوا أي شيء لا يتفـق مع أحكامهم المسبقة أو ما يريدون سماعه ، فإنهم يتجاهلونهم جميعاً باعتبار أنهم " مصادر خارجية " ( لا يعتد بها ) أو باعتبارهم " أقلية القرن العشرين المعارضة " ولذلك فإنني هنا أطبق المثل القائل " خذ الثور من قرنيه إلى الحوض للشرب " .
المطالبة بمعجزة :
كان اليهود قـد أرهقوا موسى عليه السلام بجدلهم . وكانوا سببوا له كثيراً من المتاعب . وها هم أولاء الآن لا يقلون شغباً مع المسيح عليه السلام . وفي خضم هوسهم بالأسئلة المحرجة يأتون إليه الآن ، مظهرين كل أدب واحترام ليقولوا له : " يا معلم نريد أن نرى منك آية " ( متى 12 : 38 ) .
كل ما بشر به وكل تعاليمه ومعجزاته لم تكن كافية ، في نظرهم لتقنعهم أنه كان رجلاً مرسلاً من الله ، وأنه كان المسيح المرسل إليهم . إنهم الآن يطلبون " آية " – معجزة – كالطيران كالطير في السماء ، أو المشي في الماء ، وباختصار يريدون منه أي شيء يبدو مستحيلاً .
وقبل أن تتقدم أكثر من ذلك في مناقشة أي مسيحي ، تأكد أيها القارئ الكريم أنه يفهم كلمة " آية " في النصف السالف باعتبار أنها " معجزة " . هذه الكلمة البسيطة الموجودة بالفعل في إنجيل الملك جيمس الذي ينقل عنه معظم مترجمي الإنجيل ( عن الإنجليزية ) تخلق صعوبة في حصر وفهم معناها . وفي الطبعة العالمية الجديدة من الإنجيل التي توافق عليها جميع الطوائف المسيحية كاثوليك وبروتستانت وإصلاحيين وغيرهم يتحدد معنى كلمة " آية " ليصبح " آية إعجازية " وليس أي آية أو علامة مثل علامات المرور مثلاً .
من الضروري بالنسبة لنا أيضاً أن نحدد المقصود بكلمة " آية " . وأبسط وأصدق تعريف " الآية " هو ذلك الذي قدمه الدكتور ليتلتون في كتابه " مكان المعجزات من الدين " بأنها " عمل فيما وراء ( يفوق ) قدرة الإنسان " .
وهذا بالضبط هو ما كان يريده اليهود من عيسى عليه السلام . عمل لا يستطيعون بكل طوائفهم أن يأتوا به . وهو طلب يبدو في ظاهره سوياً للغاية . ولكنه – في حقيقة الأمر – يدل على عقلية مريضة تنبش لتعثر على " الخدع " التي يألفها كل شكاك من الماديين .
آية واحدة ليس إلا :
ويرد عليهم عيسى عليه السلام بقوله : " … جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية ( ) يونان النبي " ( متى 12 : 39 ) .
ما هـي " العلامة " أو المعجزة أو " الآية " التي أتيحت ليونان ويريـد اليهود شبيهاً لها ؟!
ولنتعرف على هذه الآية ، هيا نذهب إلى سفر يونان بالكتاب المقدس لدى المسيحيين . ولكن هذا السفر محير ! إنه ورقة واحدة بها أربعة إصحاحات قصيرة . لكن كل طفل يعرف قصته .
خلفية للآية :
ولتنشيط ذاكرة قرائنا الكرام ، اسمحوا لي أن أذكركم أن الله جلت قدرته يأمر يونان ( عليه السلام ) بالذهاب إلى مدينة نينوى ، ( وهي مدينة عظيمة كان تعداد سكانها يبلغ مائة ألف نسمة ) ويحذرهم طالباً إليهم أن " يتوبوا إلى الله وأن يرتدوا المسوح الخشنة ويجلسوا على الرماد " . وذلك تحقيراً لأنفسهم أمام خالقهم ( ليتوب عليهم ) وإلا يدمرهم .
ويشعر يونان باليأس والقنوط خشية ألا يطيعه أهل نينوى الماديون الغلاظ القلوب ، فيسخروا منه . ولذلك فإنه بدلاً من أن يذهب إلى نينوى ، ذهب إلى جوبا ليبحر منها إلى بلدة نرشيش ( ليركب البحر ضارباً الصفح عن الذهاب إلى نينوى مخالفاً أمر ربه إليه ) وتهب عاصفة فظيعة على البحر . ووفقاً لخرافات البحارة ، فإن من يعصي لله أمراً يكون هو السبب في مثل هذه العاصفة . ويبدأون البحث فيعرف يونان أنه المذنب لأنه كنى لله فهو من جنود الله . وكجندي لله كان يلزمه أن يطيع أمر الله إليه . لم يكن له الحق في أن يتصرف حسب هواه . ولذلك يتطوع بالرجوع عن غلطته . كان يخشى أن يكون الله يريد دمه . ولكي يقضي الله عليه ، فإنه سبحانه يغرق القارب ويميت أناساً أبرياء . ويقترح يونان أنه من الأفضل أن يُقذف به إلى البحر وبذلك تزاح هذه الكارثة التي حلت بهم وبسفينتهم .
إجراء قُرعة :
هؤلاء الناس الذين عاشوا ثمانية قرون قبل المسيح كان لديهم إحساس بالعدالة والتحقق بها أكثر مما لدى إنسان العصر الحديث . شعروا أن يونان كان يريد أن ينتحر وربما كان بحاجة إلى عونهم ومساعدتهم . ولم يكونوا ليساعدوه في حماقته التي بدت لهم ولذلك فإنهم يقولون له إن لديهم نظاماً يعرفون به الصواب من الخطأ ، بعمل قرعة على نحو ما ( مثل إلقاء عملة معدنية ) ووفقاً لنظامهم البدائي ذاك كانت القرعة تستقر على يونان . ولذلك أخذوه وألقوه إلى البحر !
ميت أم حي ؟
ويثار سؤال هو : عندما ألقوا يونان من ظهر المركب أكان ميتاً أم حياً ؟ لكي أجعل الإجابة سهلة دعني أساعدك بالإشارة إلى أن يونان كان قد تطوع عندما قال : " خذوني وأطرحوني في البحر فيسكن البحر عنكم لأنني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم " . ( يونان 1 : 12 ) وعندما يتطوع إنسان فليس ثمة حاجة إلى أن يصرعه أحد قبل القذف به ، ليس ثمة حاجة إلـى طعنه برمح قبل طرحه ، ليس ثمة حاجة إلى ربط رجليه ويديه قبل إلقائه . وكل إنسان يوافق أن ذلك كذلك .
والآن فلنرجع إلى السؤال : هل كان يونان ميتاً أم حياً ، عندما ألقي به إلى البحر العاصف ؟ الإجابة التي نحصل عليها هي أنه – كان حياً ! وتهدأ العاصفة . ربما بالصدفة . ويأتي حوت ويبتلع يونان . هل كان ميتاً أم حياً ؟ ومرة ثانية نقول جميعاً : حي ! وفي جوف الحوت يسبح ويصلي لله طلباً لنجدته . فهل يسبح ويصلي الناس الموتى ؟ كلا ! فهو إذن كان حياً . وفي اليوم الثالث يلفظه الحوت على الشاطئ – ميتاً أم حياً ؟ الإجابة هي : " حي " مرة أخرى !
إنها معجزة المعجزات ! يقول اليهود إنه كان حياً ! ويقول المسيحيون إنه كان حياً ! ويقول المسلمون إنه كان حياً ! ولنعجب بعض العجب أن عيسى عليه السلام اختار معجزة يونان ( سيدنا يونس ) كمعجزة وحيدة له . وهي معجزة يتفق عليها اليهود والمسيحيون والمسلمون ، أصحاب الديانات الرئيسية الثلاث في العالم .
|